فصل: تفسير الآيات رقم (163- 164)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآية رقم ‏[‏121‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏121‏)‏‏}‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ مؤمني اليهود ‏{‏يتلونه حق تلاوته‏}‏ يقرؤونه كما أُنزل ولا يُحرِّفونه، ويتَّبعونه حقَّ اتِّباعه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏124- 127‏]‏

‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ‏(‏124‏)‏ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ‏(‏125‏)‏ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏126‏)‏ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏127‏)‏‏}‏

‏{‏وإذا ابتلى إبراهيم ربُّه‏}‏ اختبره‏:‏ أَيْ‏:‏ عامله معاملة المُختبِر ‏{‏بكلماتٍ‏}‏ هي عشر خصالٍ‏:‏ خمسٌ في الرأس، وهي‏:‏ الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، والسِّواك، وقصُّ الشَّارب، وخمسٌ في الجسد، وهي‏:‏ تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، ونتف الرُّفغين ‏{‏فأتمهنَّ‏}‏ أدَّاهنَّ تامَّاتٍ غير ناقصات ‏{‏قال‏}‏ الله تعالى‏:‏ ‏{‏إني جاعلك للناس إماماً‏}‏ يقتدي بك الصَّالحون‏.‏ فقال إبراهيم‏:‏ ‏{‏ومِنْ ذريتي‏}‏ أَيْ‏:‏ ومن أولادي أيضاً فاجعل أئمةً يُقتدى بهم، فقال الله عزَّ وجلَّ ‏{‏لا ينال عهدي الظالمين‏}‏ يريد‏:‏ مَنْ كان من ولدك ظالماً لا يكون إماماً، ومعنى‏:‏ ‏{‏عهدي‏}‏ أَيْ‏:‏ نُبوَّتي‏.‏

‏{‏وإذ جعلنا البيت‏}‏ يعني‏:‏ الكعبة ‏{‏مثابةً للناس‏}‏ معاداً يعودون إليه لا يقضون منه وطراً، كلَّما انصرفوا اشتاقوا إليه ‏{‏وأَمْناً‏}‏ أَيْ‏:‏ مؤمناً، وكانت العرب يرى الرَّجل منهم قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرَّض له، وأمَّا اليوم فلا يُهاج الجاني إذا التجأ إليه عند أهل العراق، وعند الشافعيِّ‏:‏ الأولى أن لا يُهاج، فإنْ أُخيف بإقامة الحدِّ عليه جاز‏.‏ وقد قال كثيرٌ من المفسرين‏:‏ مَنْ شاء آمن، ومَنْ شاء لم يُؤمن، كما أنَّه لمَّا جعله مثابةً، مَنْ شاء ثاب، ومَنْ شاء لم يثب‏.‏ ‏{‏واتَّخذوا‏}‏ أَيْ‏:‏ النَّاس ‏{‏من مقام إبراهيم‏}‏ وهو الحجر الذي يُعرف بمقام إبراهيم، وهو موضع قدميه ‏{‏مصلَّى‏}‏ وهو أنَّه تُسنُّ الصَّلاة خلف المقام، قُرئ على هذا الوجه على الخبر، وقرئ بالكسر على الأمر‏.‏ ‏{‏وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل‏}‏ أمرناهما وأوصينا إليهما ‏{‏أنْ طهِّرا بيتي‏}‏ من الأوثان والرِّيَب ‏[‏‏{‏للطائفين‏}‏ حوله، وهم النزائع إليه من آفاق الأرض ‏{‏والعاكفين‏}‏ أي‏:‏ المقيمين فيه، وهم سكان الحرم ‏{‏والركع‏}‏ جمع راكع و‏{‏السجود‏}‏ جمع ساجد؛ مثله‏:‏ قاعد وقعود‏]‏‏.‏

‏{‏وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا‏}‏ أَيْ‏:‏ هذا المكان وهذا الموضع ‏{‏بلداً‏}‏ مسكناً ‏{‏آمناً‏}‏ أَيْ‏:‏ ذا أمنٍ لا يُصاد طيره، ولا يُقطع شجره ولا يُقتل فيه أهله‏.‏ ‏{‏وارزق أهله من الثمرات‏}‏ أنواع حمل الشَّجر ‏{‏مَنْ آمن منهم بالله واليوم الآخر‏}‏ خَصَّ إبراهيم عليه السلام بطلب الرزق المؤمنين‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ كفر فأمتعه قليلاً‏}‏ فسأرزقه إلى منتهى أجله ‏{‏ثمَّ أضطره‏}‏ أُلجئه في الآخرة ‏{‏إلى عذاب النار وبئس المصير‏}‏ هي‏.‏

‏{‏وإذ يرفع إبراهيم القواعد‏}‏ أصول الأساس ‏{‏من البيت وإسماعيل‏}‏ ويقولان‏:‏ ‏{‏ربنا تقبلْ منَّا‏}‏ تقرُّبنا إليك ببناء هذا البيت ‏{‏إنك أنت السميع‏}‏ لدعائنا ‏{‏العليمُ‏}‏ بما في قلوبنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 132‏]‏

‏{‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏128‏)‏ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏129‏)‏ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏130‏)‏ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏131‏)‏ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ‏(‏132‏)‏‏}‏

‏{‏ربنا واجعلنا مسلمين لك‏}‏ مُطيعين مُنقادين لحكمك ‏{‏ومن ذريتنا أمة‏}‏ جماعةً ‏{‏مسلمة لك‏}‏ وهم المهاجرون والأنصار والتَّابعون بإحسان ‏{‏وأرنا مناسكنا‏}‏ عرّفنا مُتَعبَّداتنا‏.‏

‏{‏ربنا وابعث فيهم‏}‏ في الأمَّة المسلمة ‏{‏رسولاً منهم‏}‏ يريد‏:‏ محمَّداً صلى الله عليه وسلم ‏{‏يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة‏}‏ أَي‏:‏ القرآن ‏{‏ويزكيهم‏}‏ ويُطهِّرهم من الشِّرك ‏{‏إنك أنت العزيز‏}‏ الغالب القويُّ الذي لا يعجزه شيءٌ، ومضى تفسير الحكيم‏.‏

‏{‏ومَنْ يرغب عن ملة إبراهيم‏}‏ أَيْ‏:‏ وما يرغب عنها ولا يتركها ‏{‏إلاَّ مَنْ سفه نفسه‏}‏ أَيْ‏:‏ جهلها بأَنْ لم يعلم أنَّها مخلوقةٌ لله تعالى يجب عليها عبادة خالقها ‏{‏ولقد اصطفيناه في الدُّنيا‏}‏ اخترناه للرِّسالة ‏{‏وإنه في الآخرة لمن الصالحين‏}‏ أَيْ‏:‏ من الأنبياء‏.‏

‏{‏إذ قال له ربه أسلم‏}‏ أخلص دينك لله سبحانه بالتَّوحيد، وقيل‏:‏ أسلم نفسك إلى الله ‏{‏قال أسلمت‏}‏ بقلبي ولساني وجوارحي ‏{‏لرب العالمين‏}‏‏.‏

‏{‏ووصَّى بها‏}‏ أَيْ‏:‏ أمر بالملَّة، وقيل‏:‏ بكلمة الإِخلاص ‏{‏إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ‏}‏ أراد‏:‏ أَنْ يا بنيَّ ‏{‏إنَّ الله اصطفى لكم الدين‏}‏ أَي‏:‏ الإِسلام دين الحَنيِفيَّة ‏{‏فلا تموتن إلاَّ وأنتم مسلمون‏}‏ أَي‏:‏ الزموا الإِسلام حتى إذا أدرككم الموت صادفكم عليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏133- 139‏]‏

‏{‏أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏133‏)‏ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏134‏)‏ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏135‏)‏ قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ‏(‏136‏)‏ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏137‏)‏ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ‏(‏138‏)‏ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ‏(‏139‏)‏‏}‏

‏{‏أم كنتم شهداء‏}‏ ترك الكلام الأوَّل، وعاد إلى مُخاطبة اليهود‏.‏ المعنى‏:‏ بل أكنتم شهداء، أَيْ‏:‏ حضوراً ‏{‏إذ حضر يعقوب الموت‏}‏ وذلك أنَّ اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألستَ تعلم أنَّ يعقوب يوم مات ما أوصى بنيه باليهوديَّة‏؟‏ فأكذبهم الله تعالى، وقال‏:‏ أكنتم حاضرين وصيته ‏{‏إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي‏}‏‏.‏

‏{‏تلك أمة‏}‏ يعني‏:‏ إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه ‏{‏قد خلت‏}‏ قد مضت ‏{‏لها ما كسبت‏}‏ من العمل ‏{‏ولكم‏}‏ يا معشر اليهود ‏{‏ما كسبتم‏}‏ أَيْ‏:‏ حسابهم عليهم، وإنَّما تُسألون عن أعمالكم‏.‏

‏{‏وقالوا كونوا هوداً أو نصارى‏}‏ نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران، قال كلُّ واحدٍ من الفريقين للمؤمنين‏:‏ كونوا على ديننا فلا دين إلاَّ ذلك، فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل بل ملَّة إبراهيم حنيفاً‏}‏ يعني‏:‏ بل نتبع ملَّة إبراهيم حنيفاً مائلاً عن الأديان كلِّها إلى دين الإسلام، ثمَّ أمر المؤمنين أن يقولوا‏:‏

‏{‏آمنا بالله وما أنزل إلينا‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط‏}‏ وهم أولاد يعقوب، وكان فيهم أنبياء لذلك قال‏:‏ وما أنزل إليهم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا نفرِّق بين أحدٍ منهم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا نكفر ببعضٍ ونؤمن ببعضٍ، كما فعلت اليهود والنَّصارى‏.‏

‏{‏فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به‏}‏ أَيْ‏:‏ إِنْ أتوا بتصديقٍ مثلِ تصديقكم، وكان إيمانُهم كإيمانكم ‏{‏فقد اهتدوا‏}‏ فقد صاروا مسلمين ‏{‏وإن تولوا‏}‏ أعرضوا ‏{‏فإنما هم في شقاق‏}‏ في خلافٍ وعداوةٍ ‏{‏فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله‏}‏ ثمَّ فعل ذلك، فكفاه أمر اليهود بالقتل والسَّبي في قريظة، والجلاء والنَّفي في بني النَّضير، الجِزية والذَّلَّة في نصارى نجران‏.‏

‏{‏صبغة الله‏}‏ أَي‏:‏ الزموا دين الله ‏{‏ومَنْ أحسن من الله صبغة‏}‏ أي‏:‏ ومَنْ أحسنُ من الله ديناُ‏؟‏‏.‏

‏{‏قل‏}‏ يا محمَّدُ لليهود والنَّصارى‏:‏ ‏{‏أتحاجوننا في الله‏}‏ أَتُخاصموننا في دين الله‏؟‏ وذلك أنَّهم قالوا‏:‏ إنَّ ديننا هو الأقدم، وكتابنا هو الأسبق، ولو كنتَ نبيّاً لكنتَ منَّا ‏{‏ولنا أعمالنا‏}‏ نُجازى بحسنها وسيِّئها، وأنتم في أعمالكم على مثل سبيلنا ‏{‏ونحن له مخلصون‏}‏ مُوحِّدون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏140‏]‏

‏{‏أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏140‏)‏‏}‏

‏{‏أم تقولون‏}‏ إنَّ الأنبياء من قبل أن تنزَّل التَّوراة والإِنجيل ‏{‏كانوا هوداً أو نصارى‏}‏ ‏{‏قل أأنتم أعلم أم الله‏}‏ أَيْ‏:‏ قد أخبرنا الله سبحانه أنَّ الأنبياء كان دينهم الإِسلام، ولا أحدٌ أعلم منه ‏{‏ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله‏}‏ هذا توبيخٌ لهم، وهو أنَّ الله تعالى أشهدهم في التِّوراة والإِنجيل أنَّه باعثٌ فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم من ذريَّة إبراهيم عليه السَّلام، وأخذ مواثيقهم أَنْ يُبيِّنوه ولا يكتموه، ثمَّ ذكر قصَّة تحويل القبلة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏142- 143‏]‏

‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏142‏)‏ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏143‏)‏‏}‏

‏{‏سيقول السفهاء من الناس‏}‏ يعني‏:‏ مشركي مكَّة ويهود المدينة ‏{‏ما ولاَّهم‏}‏ ما صرفهم‏؟‏ يعنون النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ‏{‏عن قبلتهم التي كانوا عليها‏}‏ وهي الصَّخرة ‏{‏قل لله المشرق والمغرب‏}‏ يأمر بالتَّوجُّه إلى أيٍّ جهةٍ شاء ‏{‏يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم‏}‏ دينٍ مستقيمٍ‏.‏ يريد‏:‏ إنِّي رضيتُ هذه القِبلة لمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ مدح أمَّته فقال‏:‏

‏{‏وكذلك‏}‏ أي‏:‏ وكما هديناكم صراطاً مستقيماً ‏{‏جعلناكم أمة وسطاً‏}‏ عدولاً خياراً ‏{‏لتكونوا شهداء على الناس‏}‏ لتشهدوا على الأمم بتبليغ الأنبياء ‏{‏ويكون الرسول عليكم‏}‏ على صدقكم ‏{‏شهيداً‏}‏ وذلك أنَّ الله تعالى يسأل الأمم يوم القيامة، فيقول‏:‏ هل بلَّغكم الرُّسل الرِّسالة‏؟‏ فيقولون‏:‏ ما بلَّغنا أحدٌ عنك شيئاً، فيسأل الرُّسل فيقولون‏:‏ بلَّغناهم رسالتك فعصوا، فيقول‏:‏ هل لكم شهيدٌ‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، أُمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فيشهدون لهم بالتِّبليغ وتكذيب قومهم إيَّاهم، فتقول الأمم‏:‏ يا ربِّ، بمَ عرفوا ذلك، وكانوا بعدنا‏؟‏ فيقولون‏:‏ أخبرنا بذلك نبيُّنا في كتابه، ثمَّ يُزكِّيهم محمّدٌ صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏{‏وما جعلنا القبلة التي كنت عليها‏}‏ أَي‏:‏ التي أنتَ عليها اليوم، وهي الكعبةُ، قِبلةً ‏{‏إلاَّ لنعلم‏}‏ لنرى ‏[‏وقيل‏:‏ معناه‏:‏ لنميّز‏]‏ ‏{‏مَنْ يتبع الرسول‏}‏ في تصديقه بنسخ القِبلة ‏{‏ممن ينقلب على عقبيه‏}‏ يرتدُّ ويرجع إلى الكفر، وذلك أنَّ الله تعالى جعل نسخ القِبلة على الصَّخرة إلى الكعبة ابتلاءً لعباده المؤمنين، فمَنْ عصمه صدَّق الرَّسول في ذلك، ومَنْ لم يعصمه شكَّ في دينه وتردَّد عليه أمره، وظنَّ أنَّ محمداً عليه السَّلام في حيرةٍ من أمره، فارتدَّ عن الإِسلام، وهذا معنى قوله ‏{‏وإن كانت لكبيرة‏}‏ أَيْ‏:‏ وقد كانت التَّولية إلى الكعبة لثقيلةً إلاَّ ‏{‏على الذين هدى الله‏}‏ عصمهم الله بالهداية، فلمَّا حوِّلت القبلة قالت اليهود‏:‏ فكيف بمَنْ مات منكم وهو يصلِّي على القبلة الأولى‏؟‏ لقد مات على الضَّلالة، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏ أَيْ‏:‏ ‏[‏صلاتكم التي صلَّيتم و‏]‏ تصديقكم بالقِبلة الأولى ‏{‏إنَّ الله بالناس‏}‏ يعني‏:‏ بالمؤمنين ‏{‏لرؤوف رحيم‏}‏ والرَّأفة أشدُّ الرَّحمة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏144- 146‏]‏

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ‏(‏144‏)‏ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏145‏)‏ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏146‏)‏‏}‏

‏{‏قد نرى تقلُّب وجهك‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى أنَّ الصَّلاة إليها أدعى لقومه إلى الإسلام، فقال لجبريل عليه السَّلام‏:‏ وددتُ أنَّ الله صرفني عن قِبلة اليهود إلى غيرها، فقال جبريل عليه السَّلام‏:‏ إنَّما أنا عبدٌ مثلك، وأنت كريم على ربِّك فسله، ثمَّ ارتفع جبريل عليه السَّلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُديم النَّظر إلى السَّماء رجاء أَنْ يأتيه جبريل عليه السَّلام بالذي سأل، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏قد نرى تقلب وجهك في السماء‏}‏ أَيْ‏:‏ في النَّظر إلى السَّماء ‏{‏فَلَنُوَلِّيَنَّكَ‏}‏ فلنُصَيِّرَنَّك تستقبل ‏{‏قبلة ترضاها‏}‏ تحبُّها وتهواها ‏{‏فَوَلِّ وجهك‏}‏ أَيْ‏:‏ أَقبل بوجهك ‏{‏شطر المسجد الحرام‏}‏ نحوه وتلقاءه ‏{‏وحيثما كنتم‏}‏ في برٍّ أو بحرٍ وأردتم الصَّلاة ‏{‏فولوا وجوهكم شطره‏}‏ فلمَّا تحوَّلت القِبلة إِلى الكعبة قالت اليهود‏:‏ يا محمد ما أُمرتَ بهذا، وإنَّما هو شيءٌ تبتدعه من تلقاء نفسك، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنَّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنَّه الحق‏}‏ أنَّ المسجد الحرام قِبلة إبراهيم وأنَّه لحقٌّ ‏{‏وما اللَّهُ بغافل عما تعملون‏}‏ يا معشر المؤمنين مِنْ طلب مرضاتي‏.‏

‏{‏ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ اليهود والنَّصارى ‏{‏بكلِّ آية‏}‏ ‏[‏دلالةٍ ومعجزةٍ‏]‏ ‏{‏ما تبعوا قبلتك‏}‏ لأنَّهم مُعاندون جاحدون نبوَّتك مع العلم بها ‏{‏وما أنت بتابعٍ قبلتهم‏}‏ حسمَ بهذا أطماع اليهود في رجوع النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم؛ لأنَّهم كانوا يطمعون في ذلك ‏{‏وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض‏}‏ أخبر أنَّهم- وإنِ اتَّفقوا في التَّظاهر على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم- مُختلفون فيما بينهم، فلا اليهود تتبع قِبلة النَّصارى، ولا النَّصارى تتبع قِبلة اليهود ‏{‏ولئن اتبعت أهواءهم‏}‏ أَيْ‏:‏ صلَّيت إلى قِبلتهم ‏{‏بعد ما جاءك من العلم‏}‏ أنَّ قِبلة الله الكعبة ‏{‏إنك إذاً لمن الظالمين‏}‏ أيْ‏:‏ إِنَّك إذاً مثلُهم، والخطابُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الظَّاهر، وهو في المعنى لأُمَّته‏.‏

‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه‏}‏ يعرفون محمَّداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته ‏{‏كما يعرفون أبناءَهم وإنَّ فريقاً منهم ليكتمون الحق‏}‏ من صفته في التَّوراة ‏{‏وهم يعلمون‏}‏ لأنَّ الله بيَّن ذلك في كتابهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏147- 153‏]‏

‏{‏الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏147‏)‏ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏148‏)‏ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏149‏)‏ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏150‏)‏ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏151‏)‏ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ‏(‏152‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏153‏)‏‏}‏

‏{‏الحق من ربك‏}‏ أَيْ‏:‏ هذا الحقُّ من ربِّك ‏{‏فلا تكوننَّ من الممترين‏}‏ الشَّاكِّين في الجملة التي أخبرتك بها من أمر القِبلة، وعناد اليهود وامتناعهم عن الإِيمان بك‏.‏

‏{‏ولكلٍّ‏}‏ أَيْ‏:‏ ولكلِّ أهل دينٍ ‏{‏وجهةٌ‏}‏ قِبلةٌ ومُتوجَّةٌ إليها في الصَّلاة ‏{‏هو مُوَلِّيْها‏}‏ وجهَه، أَيْ‏:‏ مستقبلها ‏{‏فاستبقوا الخيرات‏}‏ فبادروا إلى القبول من الله عزَّ وجل، ووَلُّوا وجوهكم حيث أمركم الله تعالى ‏{‏أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً‏}‏ يجمعكم الله تعالى للحساب، فيجزيكم بأعمالكم، ثم أَكَّد استقبال القبلة أينما كان بآيتين، وهما قوله تعالى‏.‏

‏{‏ومن حيث خرجت‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏ومن حيث خرجت فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجَّةٌ‏}‏ يعني‏:‏ اليهود، وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون‏:‏ ما درى محمَّدٌ أين قِبلته حتى هديناه، ويقولون‏:‏ يخالفنا محمَّدٌ في ديننا ويتَّبِع قِبلتنا، فهذا كان حجِّتهم التي كانوا يحتجُّون بها تمويهاً على الجُهَّال، فلمَّا صُرفت القِبلة إلى الكعبة بطلت هذه الحجَّة، ثمَّ قال تعالى‏:‏ ‏{‏إلاَّ الذين ظلموا منهم‏}‏ من النَّاس، وهم المشركون فإنَّهم قالوا‏:‏ توجَّه محمدٌ إلى قِبلتنا، وعلم أنَّا أهدى سبيلاً منه، فهؤلاء يحتجُّون بالباطلِ، ثمَّ قال‏:‏ ‏{‏فلا تخشوهم‏}‏ يعني‏:‏ المشركين في تظاهرهم عليكم في المُحاجَّة والمحاربة ‏{‏واخشوني‏}‏ في ترك القِبلة ومخالفتها، ‏{‏ولأُتمَّ نعمتي عليكم‏}‏ أَيْ‏:‏ ولكي أَتمَّ- عطفٌ على ‏{‏لئلا يكون‏}‏- نعمتي عليكم بهدايتي إيّاكم إلى قِبلة إبراهيم، فَتَتِمُّ لكم الملَّة الحنيفيَّة ‏{‏ولعلكم تهتدون‏}‏ ولكي تهتدوا إلى قِبلة إبراهيم‏.‏

‏{‏كما أرسلنا فيكم‏}‏ المعنى‏:‏ ولأتمَّ نعمتي عليكم كإرسالي إليكم رسولاً، أَيْ‏:‏ أتمُّ هذه كما أتممت تلك بإرسالي ‏{‏رسولاً منكم‏}‏ تعرفون صدقه ونسبه ‏{‏يتلو عليكم آياتنا‏}‏ يعني‏:‏ القرآن، وهذا احتجاجٌ عليهم؛ لأنَّهم عرفوا أنَّه أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، فلمَّا قرأ عليهم القرآن تبيَّن لهم صدقه في النُّبوَّة ‏{‏ويزكيكم‏}‏ أَيْ‏:‏ يُعرِّضكم لما تكونوا به أزكياء من الأمر بطاعة الله تعالى‏.‏

‏{‏فاذكروني‏}‏ بالطَّاعة ‏{‏أذكركم‏}‏ بالمغفرة ‏{‏واشكروا لي‏}‏ نعمتي ‏{‏ولا تكفرون‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تكفروا نعمتي‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا استعينوا‏}‏ على طلب الآخرة ‏{‏بالصبر‏}‏ على الفرائض، ‏{‏والصلاة‏}‏ وبالصَّلوات الخمس على تمحيص الذُّنوب ‏{‏إنَّ الله مع الصابرين‏}‏ أَيْ‏:‏ إنِّي معكم أنصركم ولا أخذلكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏154- 162‏]‏

‏{‏وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏154‏)‏ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ‏(‏155‏)‏ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏156‏)‏ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ‏(‏157‏)‏ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏158‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ‏(‏159‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏160‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏161‏)‏ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏162‏)‏‏}‏

‏{‏ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات‏}‏ نزلت في قتلى بدر من المسلمين، وذلك أنَّهم كانوا يقولون لمَنْ يُقتل في سبيل الله‏:‏ مات فلانٌ وذهب عنه نعيم الدُّنيا، فقال الله تعالى‏:‏ ولا تقولوا للمقتولين في سبيلي هم أمواتٌ ‏{‏بل‏}‏ هم ‏{‏أحياء‏}‏ لأنَّ أرواح الشُّهداء في أجواف طيرٍ خضرٍ تسرح في الجنَّة‏.‏ ‏{‏ولكن لا تشعرون‏}‏ بما هم فيه من النَّعيم والكرامة‏.‏

‏{‏ولنبلونكم‏}‏ ولنعاملنَّكم مُعاملة المبتلي ‏{‏بشيء من الخوف‏}‏ يعني‏:‏ خوف العدوِّ ‏{‏والجوع‏}‏ يعني‏:‏ القحط ‏{‏ونقص من الأموال‏}‏ يعني‏:‏ الخسران والنُّقصان في المال وهلاك المواشي ‏{‏والأنفس‏}‏ يعني‏:‏ الموت والقتل في الجهاد والمرض والشَّيب ‏{‏والثمرات‏}‏ يعني‏:‏ الجوائح وموت الأولاد، فمَنْ صبر على هذه الأشياء استحقَّ الثَّواب، ومَنْ لم يصبر لم يستحق‏.‏ يدلُّ على هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبشر الصابرين‏}‏‏.‏

‏{‏الذين إذا أصابتهم مصيبة‏}‏ ممَّا ذُكر ‏{‏قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون‏}‏ أَيْ‏:‏ أموالنا لله، ونحن عبيدة يصنع بنا ما يشاء، ثمَّ وعدهم على هذا القول المغفرة‏.‏

‏{‏أولئك عليهم صلوات من ربهم‏}‏ أَيْ‏:‏ مغفرةٌ ‏{‏ورحمة‏}‏ ونعمةٌ ‏{‏وأولئك هم المهتدون‏}‏ إلى الجنَّة والثَّواب، والحقِّ والصَّواب‏.‏ وقيل‏:‏ زيادة الهدى، وقيل‏:‏ هم المنتفعون بالهداية‏.‏

‏{‏إنَّ الصفا والمروة‏}‏ ‏[‏وهما جبلان معروفان بمكَّة‏]‏ ‏{‏من شعائر الله‏}‏ أَيْ‏:‏ مُتعبَّداته ‏{‏فمن حجَّ البيت‏}‏ زاره معظِّماً له ‏{‏أو اعتمر‏}‏ قصد البيت للزِّيارة ‏{‏فلا جناح عليه‏}‏ فلا إثم عليه ‏{‏إن يطوَّف بهما‏}‏ بالجبلين، وذلك أنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يطوفون بينهما وعليهما صنمان يمسحونهما، فكره المسلمون الطَّواف بينهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏ ‏{‏ومن تطوَّع خيراً‏}‏ فعل غير المفترض عليه من طوافٍ، وصلاةٍ، وزكاةٍ، وطاعةٍ ‏{‏فإنَّ الله شاكر‏}‏ مجازٍ له بعمله ‏{‏عليم‏}‏ بنيَّته‏.‏

‏{‏إنَّ الذين يكتمون ما أنزلنا‏}‏ يعني‏:‏ علماء اليهود ‏{‏من البينات‏}‏ من الرَّجم والحدود والأحكام ‏{‏والهدى‏}‏ أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته ‏{‏من بعد ما بيناه للناس‏}‏ لبني إسرائيل ‏{‏في الكتاب‏}‏ في التَّوراة ‏{‏أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون‏}‏ كلُّ شيءٍ إلاَّ الجنَّ والإِنس‏.‏

‏{‏إلاَّ الذين تابوا‏}‏ رجعوا من بعد الكتمان ‏{‏وأصلحوا‏}‏ السَّريرة ‏{‏وبيَّنوا‏}‏ صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ‏{‏فأولئك أتوب عليهم‏}‏ أعود عليهم بالمغفرة‏.‏

‏{‏إنَّ الذين كفروا وماتوا وهم كفَّار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنين‏.‏

‏{‏خالدين فيها لا يخففُ عنهم العذاب ولا هم ينظرون‏}‏ أَيْ‏:‏ ولا هم يُمهلون للرَّجعة والتَّوبة والمعذرة، إذ قد زال التَّكليف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏163- 164‏]‏

‏{‏وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏163‏)‏ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏164‏)‏‏}‏

‏{‏وإلهكم إله واحدٌ‏}‏ كان للمشركين ثلثمائةٍ وستون صمناً يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى، فبيَّن الله سبحانه أنَّه إِلههم، وأّنَّه واحدٌ، فقال‏:‏ ‏{‏وإلهكم إله واحدٌ‏}‏ أَيْ‏:‏ ليس له في الإِلهيَّة شريكٌ، ولا له في ذاته نظيرٌ ‏{‏لا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم‏}‏ كذَّبهم الله عزَّ وجلَّ في إشراكهم معه آلهةً، فعجب المشركون من ذلك، وقالوا‏:‏ إنَّ محمداً يقول‏:‏ ‏{‏وإلهكم إله واحد‏}‏ فليأتنا بآيةٍ إن كان من الصَّادقين، فأنزل الله تعالى‏:‏

‏{‏إنَّ في خلق السموات والأرض‏}‏ مع عظمهما وكثرة أجزائهما ‏{‏واختلاف الليل والنهار‏}‏ ذهابهما ومجئيهما ‏{‏والفلك‏}‏ السُّفن ‏{‏التي تجري في البحر بما ينفع الناس‏}‏ من التِّجارات ‏{‏وما أنزل الله من السماء من ماء‏}‏ من مطرٍ ‏{‏فأحيا به الأرض‏}‏ أخصبها بعد جدوبتها ‏{‏وبثَّ‏}‏ وفرَّق ‏{‏فيها من كلِّ دابة وتصريف الرياح‏}‏ تقليبها مرَّة جنوباً ومرَّة شمالاً، وباردةً وحارَّة ‏{‏والسحاب المسخَّر‏}‏ المُذلَّل لأمر الله ‏{‏بين السماء والأرض لآياتٍ‏}‏ لدلالاتٍ على وحدانية الله ‏{‏لقوم يعقلون‏}‏ فعلَّمهم الله عزَّ وجلَّ بهذه الآية كيفية الاستدلال على الصَّانع وعلى توحيده، وردَّهم إلى التًّفكُّر في آياته والنَّظر في مصنوعاته، ثمَّ أعلم أنَّ قوماً بعد هذه الآيات والبيِّنات يتَّخذون الأنداد مع علمهم أنَّهم لا يأتون بشيءٍ ممَّا ذكر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏165- 167‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ‏(‏165‏)‏ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ‏(‏166‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ‏(‏167‏)‏‏}‏

‏{‏ومن النَّاس مَنْ يتخذ من دون الله أنداداً‏}‏ يعني‏:‏ الأصنام التي هي أندادٌ بعضها لبعضٍ، أَيْ‏:‏ امثال ‏{‏يحبونهم كحب الله‏}‏ أي‏:‏ كحبِّ المؤمنين الله ‏{‏والذين آمنوا أشد حباً لله‏}‏ لأنَّ الكافر يُعرِضُ عن معبوده في وقت البلاء، والمؤمن لا يُعرض عن الله في السِّراء والضَّراء، والشِّدَّة والرَّخاء، ‏{‏ولو يرى الذين ظلموا‏}‏ كفروا ‏{‏إذ يرون العذاب‏}‏ شدَّة عذاب الله تعالى وقوّته لعلموا مضرَّة اتِّخاذ الأنداد، وجواب ‏"‏ لو ‏"‏ محذوفٌ، وهو ما ذكرنا‏.‏

‏{‏إذ تبرَّأ الذين اتُّبعوا‏}‏ هذه الآية تتصل بما قبلها؛ لأنَّ المعنى‏:‏ وإنَّ الله شديد العذاب حين تبرَّأ المُتَّبَعُون في الشِّرك من أتباعهم عند رؤية العذاب، يقولون‏:‏ لم ندعُكم إلى الضَّلالة وإلى ما كنتم عليه ‏{‏وتقطعت بهم‏}‏ عنهم ‏{‏الأسباب‏}‏ الوصلات التي كانت بينهم في الدُّنيا من الأرحام والموَّدة، وصارت مُخالَّتهم عداوةً‏.‏

‏{‏وقال الذين اتبعوا‏}‏ وهم الأتباع ‏{‏لو أنَّ لنا كرَّةً‏}‏ رجعةً إلى الدُّنيا تبرَّأنا منهم ‏{‏كما تبرَّؤوا منا كذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ كتبرُّئ بعضهم من بعضٍ ‏{‏يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم‏}‏ يعني‏:‏ عبادتهم الأوثان رجاء أن تُقرِّبهم إلى الله تعالى، فلمَّا عُذِّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسَّروا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏168- 171‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏168‏)‏ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏169‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ‏(‏170‏)‏ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏171‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً‏}‏ نزلت هذه الآية في الذين حرَّموا على أنفسهم السَّوائب والوصائل والبحائر، فأَعلمَ الله سبحانه أنَّها يَحلُّ أكْلُها، وأنَّ تحريمها من عمل الشَّيطان، فقال‏:‏ ‏{‏ولا تتبعوا خطوات الشيطان‏}‏ أَيْ‏:‏ سُبله وطرقه، ثمَّ بيَّن عداوة الشَّيطان، فقال‏:‏

‏{‏إنما يأمركم بالسوء‏}‏ بالمعاصي ‏{‏والفحشاء‏}‏ البخل، وقيل‏:‏ كلُّ ذنبٍ فيه حدٌّ ‏{‏وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون‏}‏ من تحريم الأنعام والحرث‏.‏

‏{‏وإذا قيل لهم‏}‏ أي‏:‏ لهؤلاء الذين حرَّموا من الحرث والأنعام أشياء ‏{‏اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا‏}‏ ما وجدنا ‏{‏عليه آباءنا‏}‏ فقال الله تعالى مُنكراً عليهم‏:‏ ‏{‏أَوَلَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون‏}‏ يتَّبعونهم‏؟‏ والمعنى‏:‏ أيتَّبعون آبائهم وإنْ كانوا جهَّالاً‏؟‏‏!‏ ثمَّ ضرب للكفَّار مثلاً، فقال‏:‏

‏{‏ومثل الذين كفروا‏}‏ في وعظهم ودعائهم إلى الله عزَّ وجلَّ ‏{‏كمثل‏}‏ الرَّاعي ‏{‏الذي ينعق‏}‏ يصيح بالغنم وهي لا تعقل شيئاً، ومعنى يَنْعِق‏:‏ يصيح، وأراد ‏{‏بما لا يسمع إلاَّ دعاءً ونداءً‏}‏ البهائم التي لا تعقل ولا تفهم ما يقول الرَّاعي، إنَّما تسمع صوتاً لا تدري ما تحته، كذلك الذين كفروا يسمعون كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم كالغنم؛ إذ كانوا لا يستعملون ما أمرهم به، ومضى تفسير قوله‏:‏ ‏{‏صم بكم عمي‏}‏، ثمَّ ذكر أنَّ ما حرَّمه المشركون حلالٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏172- 173‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ‏(‏172‏)‏ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏173‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم‏}‏ أَيْ‏:‏ حلالات ما رزقناكم من الحرث والنَّعم وما حرَّمه المشركون على أنفسهم منهما ‏{‏واشكروا لله إنْ كنتم إياه تعبدون‏}‏ أَيْ‏:‏ إنْ كانت العبادة واجبةً عليكم بأنَّه إلهكم فالشُّكر له واجبٌ، بأنه منعمٌ عليكم، ثمَّ بيَّن المُحرَّم ما هو فقال‏:‏

‏{‏إنما حرَّم عليكم الميتة‏}‏ وهي كلُّ ما فارقه الرُّوح من غير ذكاةٍ ممَّا يذبح ‏{‏والدم‏}‏ يعني‏:‏ الدَّم السَّائل لقوله في موضع آخر‏:‏ ‏{‏أو دماً مسفوحاً‏}‏ وقد دخل هذين الجنسين الخصوصُ بالسُّنَّةِ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أُحلَّت لنا ميتتان ودمان ‏"‏ الحديث‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولحم الخنزير‏}‏ يعني‏:‏ الخنزير بجميع أجزائه، وخصَّ اللَّحم لأنَّه المقصود بالأكل ‏{‏وما أُهِلَّ به لغير الله‏}‏ يعني‏:‏ ما ذُبح للأصنام، فذكر عليه غير اسم الله تعالى ‏{‏فمن اضطر‏}‏ أَيْ‏:‏ أُحوج وأُلْجِئ في حال الضَّرورة‏.‏ ‏[‏وقيل‏:‏ مَنْ أكره على تناوله، وأُجبر على تناوله كما يُجبر على التَّلفُّظ بالباطل‏]‏ ‏{‏غير باغٍ‏}‏ أَيْ‏:‏ غير قاطعٍ للطَّريق مفارقٍ للأئمة مُشاقًّ للأمَّة ‏{‏ولا عادٍ‏}‏ ولا ظالم متعدٍّ، فأكلَ ‏{‏فلا إثم عليه‏}‏ وهذا يدلُّ على أنَّ العاصي بسفره لا يستبيح أكل الميتة عند الضَّرورة ‏{‏إنَّ الله غفور‏}‏ للمعصية فلا يأخذ بما جعل فيه الرُّخصة ‏{‏رحيمٌ‏}‏ حيث رخَّص للمضطر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏174- 177‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏174‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ‏(‏175‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ‏(‏176‏)‏ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ‏(‏177‏)‏‏}‏

‏{‏إنَّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب‏}‏ يعني‏:‏ رؤساء اليهود ‏{‏ويشترون به‏}‏ بما أنزل الله من نعت محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في كتابهم ‏{‏ثمناً قليلاً‏}‏ يعني‏:‏ ما يأخذون من الرُّشى على كتمان نعته ‏{‏أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاَّ النار‏}‏ إلاَّ ما هو عاقبته النَّار ‏{‏ولا يكلمهم الله يوم القيامة‏}‏ أَيْ‏:‏ كلاماً يسرُّهم ‏{‏ولا يزكيهم‏}‏ ولا يُطهِّرهم من دنس ذنوبهم‏.‏

‏{‏أولئك الذين اشتروا الضلالة‏}‏ استبدلوها ‏{‏بالهدى والعذاب بالمغفرة‏}‏ حين جحدوا أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وكتموا نعته ‏{‏فما أصبرهم‏}‏ أَيْ‏:‏ فأيُّ شيءٍ صبَّرهم على النَّار، ودعاهم إليها حين تركوا الحقَّ واتبعوا الباطل‏؟‏‏!‏ وهذا استفهامٌ معناه التَّوبيخ لهم‏.‏ ‏[‏وقيل‏:‏ ما أجرأهم على النار‏!‏‏]‏‏.‏

‏{‏ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ ذلك العذاب لهم ‏{‏بأنَّ الله نزل الكتاب بالحق‏}‏ يعني‏:‏ القرآن فاختلفوا فيه ‏{‏وإنَّ الذين اختلفوا في الكتاب‏}‏ فقالوا‏:‏ إنَّه رَجَزٌ، وشِعرٌ، وكهانةٌ، وسحرٌ ‏{‏لفي شقاق بعيد‏}‏ لفي خلافٍ للحقِّ طويلٍ‏.‏

‏{‏ليس البر‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان الرَّجل في ابتداء الإِسلام إذا شهد الشَّهادتين، وصلَّى إلى أَيٍّ ناحيةٍ كانت ثمَّ مات على ذلك وجبت له الجنَّة، فلمَّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وصُرفت القِبلة إلى الكعبة أنزل الله تعالى هذه الآية، فقال‏:‏ ‏{‏ليس البر‏}‏ كلَّه أن تُصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك ‏{‏ولكنَّ البرَّ‏}‏ أَيْ‏:‏ ذا البرِّ ‏{‏مَنْ آمن بالله واليومِ الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيين وآتى المال على حبه‏}‏ أَيْ‏:‏ على حبِّ المال‏.‏ ‏[‏وقيل‏:‏ الضميرُ راجعٌ إلى الإِيتاء‏]‏ ‏{‏ذوي القربى‏}‏ قيل‏:‏ عنى به قرابة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقيل‏:‏ أراد به قرابة الميت‏]‏ ‏{‏وابن السبيل‏}‏ هو المنقطع يمرُّ بك، والضَّيف ينزل بك ‏{‏وفي الرِّقاب‏}‏ أَيْ‏:‏ وفي ثمنها‏.‏ يعني‏:‏ المكاتبين ‏{‏والموفون بعهدهم إذا عاهدوا‏}‏ اللَّهَ أو النَّاسَ ‏{‏والصابرين في البأساء‏}‏ الفقر ‏{‏والضراء‏}‏ المرض ‏{‏وحين البأس‏}‏ وقت القتال في سبيل الله ‏{‏أولئك‏}‏ أهل هذه الصفة هم ‏{‏الذين صدقوا‏}‏ في إيمانهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏178- 182‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏178‏)‏ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏179‏)‏ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ‏(‏180‏)‏ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏181‏)‏ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏182‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى‏}‏ نزلت في حَيَّينِ من العرب أحدهما أشرف من الآخر، فقتل الأوضع من الأشرف قتلى، فقال الأشرف‏:‏ لنقتلنَّ الحرَّ بالعبد، والذَّكر بالأنثى، ولَنُضاعِفَنَّ الجراح، فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كُتب‏}‏‏:‏ أُوجب وفُرض ‏{‏عليكم القصاص‏}‏ اعتبار المماثلة والتَّساوي بين القتلى، حتى لا يجوز أن يقتل حرٌّ بعبدٍ، أو مسلمٌ بكافرٍ، فاعتبارُ المماثلةِ واجبٌ، وهو قوله‏:‏ ‏{‏الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى‏}‏ ودلَّ قوله في سورة المائدة‏:‏ ‏{‏أنَّ النَّفس بالنَّفس‏}‏ على أنَّ الذَّكر يُقتل بالأنثى فيقتل الحرُّ بالحرَّة ‏{‏فمن عفي له‏}‏ أَيْ‏:‏ تُرك له ‏{‏من‏}‏ دم ‏{‏أخيه‏}‏ المقتول ‏{‏شيءٌ‏}‏ وهو أن يعفو بعض الأولياء فيسقط القود ‏{‏فاتباع بالمعروف‏}‏ أَيْ‏:‏ فعلى العافي الذي هو ولي الدَّم أن يتبع القاتل بالمعروف، وهو أن يطالبه بالمال من غير تشدُّد وأذىً، وعلى المطلوب منه المال ‏{‏أداءٌ‏}‏ تأدية المال إلى العافي ‏{‏بإحسانٍ‏}‏ وهو ترك المطل والتَّسويف‏.‏ ‏{‏ذلك تخفيفٌ من ربكم ورحمة‏}‏ هو أنَّ الله تعالى خَيَّرَ هذه الأمَّة بين القصاص والدية والعفو، ولم يكن ذلك إلاَّ لهذه الأُمَّة ‏{‏فمن اعتدى‏}‏ أَيْ‏:‏ ظلم بقتل القاتل بعد أخذ الدية ‏{‏فله عذابٌ أليم‏}‏‏.‏

‏{‏ولكم في القصاص حياة‏}‏ أَيْ‏:‏ في إثباته حياةٌ، وذلك أنَّ القاتل إذا قُتل ارتدع عن القتل كلُّ مَنْ يهمُّ بالقتل، فكان القصاص سبباً لحياة الذي يُهَمُّ بقتله، ولحياة الهامِّ أيضاً؛ لأنه إنْ قَتلَ قُتل ‏{‏يا أولي الألباب‏}‏ يا ذوي العقول ‏{‏لعلكم تتقون‏}‏ ‏[‏إراقة‏]‏ الدِّماء مخافة القصاص‏.‏

‏{‏كتب عليكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان أهل الجاهليَّة يُوصون بمالهم للبعداء رياءً وسُمعةً، ويتركون أقاربهم ‏[‏فقراء‏]‏، فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏ ‏{‏كتب عليكم‏}‏ فُرض عليكم وأُوجب ‏{‏إذا حضر أحدكم الموت‏}‏ أَيْ‏:‏ أسبابه ومُقدِّماته ‏{‏إنْ ترك خيراً‏}‏ مالاً ‏{‏الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف‏}‏ يعني‏:‏ لا يزيد على الثلث ‏{‏حقاً‏}‏ أي‏:‏ حقَّ ذلك حقَّاً ‏{‏على المتقين‏}‏ الذين يتَّقون الشِّرك، وهذه الآية مسنوخةٌ بآية المواريث، ولا تجب الوصية على أحدٍ، ‏[‏ولا تجوز الوصية للوارث‏]‏‏.‏

‏{‏فَمَنْ بدَّله بعد ما سمعه‏}‏ أَيْ‏:‏ بدَّل الإِيصاء وغيَّره من وصيٍّ ووليٍّ وشاهدٍ بعد ما سمعه عن الميت ‏{‏فإنما إثمه‏}‏ إثم التَّبديل ‏{‏على الذين يبدلونه‏}‏ وبَرِئ الميِّت ‏{‏إن الله سميع‏}‏ سمع ما قاله المُوصي ‏{‏عليم‏}‏ بنيَّته وما أراد، فكانت الأولياء والأوصياء يمضون وصيه الميت بعد نزول هذه الآية وإن استغرقت المال، فأنزل الله تعالى‏:‏

‏{‏فمن خاف‏}‏ أَيْ‏:‏ علم ‏{‏من موصٍ جنفاً‏}‏ خطأً في الوصية من غير عمدٍ، وهو أن يُوصي لبعض ورثته، أو يوصي بماله كلِّه خطأً ‏{‏أو إثماً‏}‏ أَيْ‏:‏ قصداً للميل، فَخافَ في الوصية وفعل ما لا يجوز مُتعمِّداً ‏{‏فأصلح‏}‏ بعد موته بين ورثته وبين المُوصى لهم ‏{‏فلا إثم عليه‏}‏ أَيْ‏:‏ إِنَّه ليس بمبدلٍ يأثم، بل هو متوسطٌ للإِصلاح، وليس عليه إثمٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏183- 185‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ‏(‏183‏)‏ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏184‏)‏ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏185‏)‏‏}‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام‏}‏ يعني صيام شهر رمضان ‏{‏كما كتب‏}‏ يعني‏:‏ كما أُوجب ‏{‏على الذين من قبلكم‏}‏ أَيْ‏:‏ أنتم مُتَعَبِّدون بالصَّيام كما تُعبِّد مَنْ قبلكم ‏{‏لعلكم تتقون‏}‏ لكي تتقوا الأكل والشُّرب والجماع في وقت وجوب الصَّوم‏.‏

‏{‏أياماً معدودات‏}‏ يعني‏:‏ شهر رمضان ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ‏}‏ فأفطر ‏{‏فعدَّةٌ‏}‏ أَيْ‏:‏ فعليه عدَّةٌ، أَيْ‏:‏ صوم عدَّةٍ، يعني‏:‏ بعدد ما أفطر ‏{‏من أيام أُخر‏}‏ سوى أيَّام مرضه وسفره ‏{‏وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين‏}‏ هذا كان في ابتداء الإسلام؛ مَنْ أطاق الصوم جاز له أن يُفطر، ويُطعم لكلِّ يومٍ مسكيناً مُدَّاً من طعام، فَنُسِخ بقوله‏:‏ ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ ‏{‏فمن تطوع خيراً‏}‏ زاد في الفدية على مُدٍّ واحدٍ ‏{‏فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم‏}‏ أيْ‏:‏ والصَّوم خيرٌ لكم من الإِفطار والفدية، وهذا ‏[‏إنَّما‏]‏ كان قبل النَّسخ‏.‏

‏{‏شهر رمضان‏}‏ أَيْ‏:‏ هي شهر رمضان‏.‏ يعني‏:‏ تلك الأيام المعدودات شهر رمضان ‏{‏الذي أُنزل فيه القرآن‏}‏ أُنزل جملةً واحدً من اللَّوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في بيت العزَّة في سماء الدُّنيا، ثمَّ نزل به جبريل عليه السَّلام على محمد صلى الله عليه وسلم نجوماً نجوماً عشرين سنةً ‏{‏هدىً للناس‏}‏ هادياً للنَّاس ‏{‏وبينات من الهدى‏}‏ وآياتٍ واضحاتٍ من الحلال والحرام، والحدود والأحكام ‏{‏والفرقان‏}‏ الفرق بين الحقِّ والباطل ‏{‏فمن شهد منكم الشهر‏}‏ فمَنْ حضر منكم بلده في الشَّهر ‏{‏فليصمه‏}‏ ‏{‏ومَنْ كان مريضاً أو على سفرٍ فعدَّةٌ من أيام أخر‏}‏ أعاد هاهنا تخيير المريض والمسافر؛ لأنَّ الآية الأولى وردت في التَّخيير للمريض والمسافر والمقيم، وفي هذه الآية نُسخ تخيير المقيم، فأُعيد ذكر تخيير المريض والمسافر ليعلم أنَّه باقٍ على ما كان ‏{‏يريد الله بكم اليسر‏}‏ بالرُّخصة للمسافر والمريض ‏{‏ولا يريد بكم العسر‏}‏ لأنَّه لم يشدِّد ولم يُضيِّق عليكم ‏{‏ولتكملوا‏}‏ ‏[‏عطف على محذوف‏]‏ والمعنى‏:‏ يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر لِيَسْهُلَ عليكم ‏{‏ولتكملوا العدَّة‏}‏ أَيْ‏:‏ ولتكملوا عدَّة ما أفطرتم بالقضاء إذا أقمتم وبرأتم ‏{‏ولتكبروا الله‏}‏ يعني التَّكبير ليلة الفطر إذا رُئي هلال شوال ‏{‏على ما هداكم‏}‏ أرشدكم من شرائع الدِّين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏186- 188‏]‏

‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ‏(‏186‏)‏ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏187‏)‏ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏188‏)‏‏}‏

‏{‏وإذا سألك عبادي عني‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ سأل بعض الصَّحابة النبيَّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه‏؟‏ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإني قريبٌ‏}‏ يعني‏:‏ قربه بالعلم ‏{‏أجيب‏}‏ أسمع ‏{‏دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي‏}‏ أَيْ‏:‏ فليجيبوني بالطَّاعة وتصديق الرُّسل ‏{‏وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون‏}‏ ليكونوا على رجاءٍ من إصابة الرُّشد‏.‏

‏{‏أحلَّ لكم ليلة الصيام‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان في ابتداء الإسلام لا تحلُّ المجامعة في ليالي الصَّوم، ولا الأكل ولا الشُّرب بعد العشاء الآخرة، فأحلَّ الله تعالى ذلك كلَّه إلى طلوع الفجر، وقوله‏:‏ ‏{‏الرفث إلى نسائكم‏}‏ يعني‏:‏ الإِفضاء إليهنَّ بالجماع ‏{‏هنَّ لباسٌ لكم‏}‏ أَيْ‏:‏ فراشٌ ‏{‏وأنتم لباس‏}‏ لحافٌ ‏{‏لهنَّ‏}‏ عند الجماع ‏{‏علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم‏}‏ تخونون أنفسكم بالجماع ليالي رمضان، وذلك أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره فعلوا ذلك، ثمَّ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه، فنزلت الرُّخصة ‏{‏فتاب عليكم‏}‏ فعاد عليكم بالترخيص ‏{‏وعفا عنكم‏}‏ ما فعلتم قبل الرُّخصة ‏{‏فالآن باشروهنَّ‏}‏ جامعوهنَّ ‏{‏وابتغوا‏}‏ واطلبوا ‏{‏ما كتب الله لكم‏}‏ ما قضى الله سبحانه لكم من الولد ‏{‏وكلوا واشربوا‏}‏ اللَّيل كلَّه ‏{‏حتى يتبين لكم الخيط الأبيض‏}‏ يعني‏:‏ بياض الصُّبح ‏{‏من الخيط الأسود‏}‏ من سواد اللَّيل ‏{‏من الفجر‏}‏ بيانُ أنَّ هذا الخيط الأبيض من الفجر لا من غيره ‏{‏ثمَّ أتموا الصيام إلى الليل‏}‏ بالامتناع من هذه الأشياء ‏{‏ولا تباشروهنَّ وأنتم عاكفون في المساجد‏}‏ نهيٌ للمعتكف عن الجماع؛ لأنه يُفسده، ‏{‏تلك‏}‏ أَيْ‏:‏ هذه الأحكام التي ذكرها ‏{‏حدود الله‏}‏ ممنوعاته ‏{‏فلا تقربوها‏}‏ فلا تأتوها ‏{‏كذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ مثل هذا البيان‏:‏ ‏{‏يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون‏}‏ المحارم‏.‏

‏{‏ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ أَيْ‏:‏ لا يأكل بعضكم مال بعضٍ بما لا يحلُّ في الشَّرع، من الخيانة والغصب، والسَّرقة والقمار، وغير ذلك ‏{‏وتُدْلُوا بها إلى الحكام‏}‏ ولا تصانعوا ‏[‏أَيْ‏:‏ لا ترشوا‏]‏ بأموالكم الحكَّام لِتقتطعوا حقَّاً لغيركم ‏{‏لتأكلوا فريقاً‏}‏ طائفةً ‏{‏من أموال الناس بالإِثم‏}‏ بأن ترشوا الحاكم ليقضي لكم ‏{‏وأنتم تعلمون‏}‏ أنَّكم مُبطلون، وأنَّه لا يحلُّ لكم، والأصل في الإِدلاء‏:‏ الإِرسال، من قولهم‏:‏ أدليتُ الدَّلو‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏189- 195‏]‏

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏189‏)‏ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏190‏)‏ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ‏(‏191‏)‏ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏192‏)‏ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ‏(‏193‏)‏ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏194‏)‏ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏195‏)‏‏}‏

‏{‏يسألونك عن الأهلَّة‏}‏ يسأل معاذ بن جبلٍ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن زيادة القمر ونقصانه، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأهلة‏}‏ وهي جمع هلال ‏{‏قل هي مواقيت للناس والحج‏}‏ أخبر الله عنه أنَّ الحكمة في زيادته ونقصانه زوال الالتباس عن أوقات النَّاس في حجِّهم ومَحِلِّ دُيونِهم، وعِدَدِ نسائهم، وأجور أُجرائهم، ومُدَد حواملهم، وغير ذلك ‏{‏وليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها‏}‏ كان الرَّجل في الجاهليَّة إذا أحرم نقب من بيته نقباً من مؤخره يدخل فيه ويخرج، فأمرهم الله بترك سنَّة الجاهليَّة، وأعلمهم أنَّ ذلك ليس ببرٍّ ‏{‏ولكن البرَّ‏}‏ برُّ ‏{‏من اتقى‏}‏ مخالفةَ الله ‏{‏وأتوا البيوت من أبوابها‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا انصرف من الحديبية إلى المدينة المنورة حين صدَّه المشركون عن البيت، صالحهم على أن يرجع عامة القابل ويُخَلُّوا له مكَّة ثلاثة أيَّام، فلمَّا كان العام القابل تجهزَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريشٌ وأن يصدُّوهم عن البيت ويقاتلوهم، وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشَّهر الحرام في الحرم، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏وقاتلوا في سبيل الله‏}‏ أَيْ‏:‏ في دين الله وطاعته ‏{‏الذين يقاتلونكم‏}‏ يعني‏:‏ قريشاً ‏{‏ولا تعتدوا‏}‏ ولا تظلموا فتبدؤوا في الحرم بالقتال‏.‏

‏{‏واقتلوهم حيث ثقفتموهم‏}‏ وجدتموهم وأخذتموهم ‏{‏وأخرجوهم من حيث أخرجوكم‏}‏ يعني‏:‏ من مكَّة ‏{‏والفتنة أشدّ من القتل‏}‏ يعني‏:‏ وشركُهم بالله تعالى أعظمُ من قتلكم إيَّاهم في الحرم ‏{‏ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه‏}‏ نُهوا عن ابتدائهم بقتلٍ أو قتالٍ حتى يبتدئ المشركون ‏{‏فإن قاتلوكم فاقتلوهم‏}‏ أَيْ‏:‏ إن ابتدؤوا بقتالكم عند المسجد الحرام فلكم القتال على سبيل المكافأة، ثم بيَّن أنهم إن انتهوا، أَيْ‏:‏ كفُّوا عن الشِّرك والكفر والقتال وأسلموا ‏{‏فإنَّ الله غفور رحيم‏}‏ أَيْ‏:‏ يغفر لهم كفرهم وقتالهم من قبل، وهو منعمٌ عليهم بقبول توبتهم وإيمانهم بعد كفرهم وقتالهم‏.‏

‏{‏وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة‏}‏ أَيْ‏:‏ شركٌ‏.‏ يعني‏:‏ قاتلوهم حتى يُسلموا، وليس يُقبل من المشرك الوثنيِّ جزيةٌ ‏{‏ويكون الدين‏}‏ أَيْ‏:‏ الطَّاعة والعبادة ‏{‏لله‏}‏ وحده فلا يُعبد دونه شيءٌ ‏{‏فإن انتهوا‏}‏ عن الكفر ‏{‏فلا عدوان‏}‏ أَيْ‏:‏ فلا قتل ولا نهب ‏{‏إلاَّ على الظالمين‏}‏ والكافرين‏.‏

‏{‏الشهر الحرام بالشهر الحرام‏}‏ أَيْ‏:‏ إن قاتلوكم في الشَّهر الحرام فقاتلوهم في مثله ‏{‏والحرمات قصاص‏}‏ أَي‏:‏ إن انتهكوا لكم حرمةً فانتهكوا منهم مثل ذلك، أَعلمَ الله سبحانه أنَّه لا يكون للمسلمين أنْ ينتهكوها على سبيل الابتداء، ولكن على سبيل القصاص، وهو معنى قوله‏:‏ ‏{‏فمن اعتدى عليكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ‏{‏وأنفقوا في سبيل الله‏}‏ في طاعة الله تعالى من الجهاد وغيره ‏{‏ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة‏}‏ ولا تُمسكوا عن الإِنفاق في الجهاد ‏{‏وأحسنوا‏}‏ أَيْ‏:‏ الظنَّ بالله تعالى في الثَّواب والإِخلاف عليكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏196‏]‏

‏{‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏196‏)‏‏}‏

‏{‏وأتموا الحج والعمرة لله‏}‏ بمناسكهما وحدودهما وسننهما، وتأدية كلِّ ما فيهما ‏{‏فإن أحصرتم‏}‏ حُبستم ومُنعتم دون تمامهما ‏{‏فما استيسر‏}‏ فواجبٌ عليكم ما تيسَّر ‏{‏من الهدي‏}‏ وهو ما يُهدى إلى بيت الله سبحانه، أعلاه بدنةٌ، وأوسطه بقرة، وأدناه شاةٌ، فعليه ما تيسَّر من هذه الأجناس ‏{‏ولا تحلقوا رؤوسكم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تَحِلُّوا من إحرامكم ‏{‏حتى يبلغ الهدي محلَّه‏}‏ حتى يُنحر الهدي بمكَّة في بعض الأقوال، وهو مذهب أهل العراق، وفي قول غيرهم‏:‏ مَحِلُّه حيث يَحِلُّ ذبحه ونحره، وهو حيث أُحصر، وهو مذهب الشَّافعي ‏{‏فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه‏}‏ ‏[‏يعني الهوام تقع في الشَّعر وتكثر‏]‏ فحلق ‏{‏ففديةٌ من صيامٍ‏}‏ وهو صيام ثلاثة أيَّام ‏{‏أو صدقة‏}‏ وهي إطعام ستة مساكين‏.‏ لكلِّ مسكينٍ مُدَّان ‏{‏أو نسك‏}‏ ذبيحةٍ ‏{‏فإذا أمنتم‏}‏ أَيْ‏:‏ من العدوِّ، أو كان حجٌّ ليس فيه خوفٌ من عدوٍّ ‏{‏فمن تمتع بالعمرة إلى الحج‏}‏ أيْ‏:‏ قدم مكَّة مُحرماً واعتمر في أشهر الحجِّ، وأقام حلالاً بمكَّة حتى يُنشئ منها الحجَّ عامَه ذلك، واستمتع بمحظورات الإحرام؛ لأنَّه حلَّ بالعمرة، فمن فعل هذا ‏{‏ف‏}‏ عليه ‏{‏ما استيسر من الهدي فمن لم يجد‏}‏ ثمن الهدي ‏{‏فصيام ثلاثة أيام في‏}‏ أشهر ‏{‏الحج وسبعة إذا رجعتم‏}‏ أَيْ‏:‏ بعد الفراغ من الحجِّ ‏{‏تلك عشرة كاملة ذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ ذلك الفرض الذي أُمرنا به من الهدي أو الصِّيام ‏{‏لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام‏}‏ أَيْ‏:‏ لمَنْ لم يكن من أهل مكَّة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏197- 198‏]‏

‏{‏الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ‏(‏197‏)‏ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ‏(‏198‏)‏‏}‏

‏{‏الحج أشهر‏}‏ أًيْ‏:‏ أشهرُ الحجِّ أشهرٌ ‏{‏معلوماتٌ‏}‏ مُوقَّتةٌ معيَّنةٌ، وهي شوال وذو القعدة وتسعُ من ذي الحجَّة ‏{‏فمن فرض‏}‏ أوجب على نفسه ‏{‏فيهنَّ الحجَّ‏}‏ بالإحرام والتَّلبية ‏{‏فلا رفث‏}‏ فلا جِماعَ ‏{‏ولا فسوق‏}‏ ولا معاصي ‏{‏ولا جدال‏}‏ وهو أَنْ يُجادلَ صاحبه حتى يُغضبه، والمعنى‏:‏ لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا ‏{‏في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله‏}‏ أَيْ‏:‏ يُجازيكم به الله العالم ‏{‏وتزوَّدوا‏}‏ نزلت في قومٍ كانوا يحجُّون بلا زادٍ ويقولون‏:‏ نحن متوكِّلون، ثمَّ كانوا يسألون النَّاس وربَّما ظلموهم وغصبوهم، فأمرهم الله أَنْ يتزوَّدوا فقال‏:‏ ‏{‏وتزوَّدوا‏}‏ ما تتبلَّغون به ‏{‏فإن خير الزاد التقوى‏}‏ يعني‏:‏ ما تكفُّون به وجوهكم عن السُّؤال وأنفسكم عن الظُّلم‏.‏

‏{‏ليس عليكم جناح‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ كان قومٌ يزعمون أنَّه لا حَجَّ لتاجرٍ ولا جَمَّالٍ، فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنه لا حرج في ابتغاء الرِّزق بقوله‏:‏ ‏{‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏}‏ أَيْ‏:‏ رزقاً بالتجِّارة في الحجِّ ‏{‏فإذا أفضتم‏}‏ أَيْ‏:‏ دفعتم وانصرفتم من ‏{‏عرفات فاذكروا الله‏}‏ بالدُّعاء والتَّلبية ‏{‏عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم‏}‏ أَيْ‏:‏ ذكراً مثلَ هدايته إيَّاكم، أَيْ‏:‏ يكون جزاءً لهدايته إيَّاكم ‏{‏وإن كنتم من قبله‏}‏ أَيْ‏:‏ وما كنتم من قبل هُدَاه إلاَّ ضالِّين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏199- 202‏]‏

‏{‏ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏199‏)‏ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ‏(‏200‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ‏(‏201‏)‏ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ‏(‏202‏)‏‏}‏

‏{‏ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض الناس‏}‏ يعني‏:‏ العرب وعامِّة النَّاس إلاَّ قريشاً، وذلك أنَّهم كانوا لا يقفون بعرفات وإنَّما يقفون بالمزدلفة ويقولون‏:‏ نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفاتٍ، كما يقف سائر النَّاس حتى تكون الإفاضة معهم منها‏.‏ ‏{‏فإذا قضيتم مناسككم‏}‏ أَيْ‏:‏ فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحجِّ ‏{‏فاذكروا الله كذكركم آباءَكم‏}‏ كانت العرب إذا فرغوا من حجِّهم ذكروا مفاخر آبائهم، فأمرهم الله عزَّ وجلَّ بذكره ‏{‏أو أشدَّ ذكراً‏}‏ يعني‏:‏ وأشدَّ ذكراً ‏{‏فمن الناس‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وهم المشركون كانوا يسألون المال والإبل والغنم، ولا يسألون حظَّاً في الآخرة؛ لأَنهم لم يكونوا مؤمنين بها، والمسلون يسألون الحظَّ في الدُّنيا والآخرة، وهو قوله‏:‏

‏{‏ومنهم مَنْ يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ‏[‏ومعنى‏:‏ ‏{‏في الدنيا حسنة‏}‏‏:‏ العمل بما يرضي الله، ‏{‏وفي الآخرة حسنة‏}‏‏:‏ الجنة‏]‏‏.‏

‏{‏أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا‏}‏ أَيْ‏:‏ ثوابُ ما عملوا ‏{‏والله سريعُ الحساب‏}‏ مع هؤلاء؛ لأنَّه يغفر سيئاتهم ويضاعف حسناتهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏203- 206‏]‏

‏{‏وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏203‏)‏ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ‏(‏204‏)‏ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ‏(‏205‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ‏(‏206‏)‏‏}‏

‏{‏واذكروا الله في أيام معدودات‏}‏ يعني‏:‏ التَّكبير أدبار الصَّلوات في أيام التَّشريق ‏{‏فمن تعجَّل في يومين‏}‏ من أيام التَّشريق فنفر في اليوم الثّاني من مِنىً ‏{‏فلا إثم عليه‏}‏ في تعجُّله، ‏{‏ومن تأخر‏}‏ عن النَّفر إلى اليوم الثالث ‏{‏فلا إثم عليه‏}‏ في تأخُّره ‏{‏لمن اتقى‏}‏ أَيْ‏:‏ طرحُ المأثم يكون لمن اتَّقى في حجِّه تضييعَ شيءٍ ممَّا حدَّه الله تعالى‏.‏

‏{‏ومن الناس مَن يعجبك قوله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ يعني‏:‏ الأخنس بن شريق، وكان منافقاً حلو الكلام، حسن العلانيَة سيِّئ السَّريرة، وقوله‏:‏ ‏{‏في الحياة الدنيا‏}‏ لأنَّ قوله إنَّما يعجب النَّاس في الحياة الدُّنيا، ولا ثواب له عليه في الآخرة ‏{‏ويشهد الله على ما في قلبه‏}‏ لأنَّه كان يقول للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ واللَّهِ، إنِّي بك لمؤمنٌ، ولك محبٌّ ‏{‏وهو ألدُّ الخصام‏}‏ أَيْ‏:‏ شديد الخصومة، وكان جَدِلاً بالباطل‏.‏

‏{‏وإذا تولى سعى في الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وذلك أنَّه رجع إلى مكَّة، فمرَّ بزرعٍ وحُمُرٍ للمسلمين، فأحرق الزَّرع وعقر الحُمُر، فهو قوله‏:‏ ‏{‏ويهلك الحرث والنسل‏}‏ أَيْ‏:‏ نسل الدَّوابِّ‏.‏

‏{‏وإذا قيل له اتق الله‏}‏ وإذا قيل له‏:‏ مهلاً مهلاً ‏{‏أخذته العزَّةُ بالإِثم‏}‏ حملته الأنفة وحميَّة الجاهليَّة على الفعل بالإِثم ‏{‏فحسبه جهنم‏}‏ كافيه الجحيم جزاءً له ‏{‏ولبئس المهاد‏}‏ ولبئس المقرُّ جهنَّم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏207- 212‏]‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ‏(‏207‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏208‏)‏ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏209‏)‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ‏(‏210‏)‏ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ‏(‏211‏)‏ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏(‏212‏)‏‏}‏

‏{‏ومن الناس مَنْ يشري‏}‏ أَيْ‏:‏ يبيع ‏{‏نفسه‏}‏ يعني‏:‏ يبذلها لأوامر الله تعالى ‏{‏ابتغاء مرضاة الله‏}‏ لطلب رضا الله‏.‏ نزلت في صهيب الرُّوميِّ‏.‏

‏{‏يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِّلْمِ‏}‏ أَيْ‏:‏ في الإسلام ‏{‏كافة‏}‏ أيْ‏:‏ جميعاً، أيْ‏:‏ في جميع شرائعه‏.‏ نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنَّهم بعدما دخلوا في الإِسلام عظَّموا السَّبت، وكرهوا لُحمان الإِبل فأُمروا بترك ذلك، وإنَّه ليس من شرائع الإِسلام تحريم السَّبت وكراهة لحوم الإبل ‏{‏ولا تتبعوا خطوات الشيطان‏}‏ أيْ‏:‏ آثاره ونزغاته ‏{‏إنه لكم عدوٌّ مبين‏}‏‏.‏

‏{‏فإن زللتم‏}‏ تنحَّيتم عن القصد بتحريم السَّبْت ولحوم الإِبل ‏{‏من بعد ما جاءتكم البينات‏}‏ أَيْ‏:‏ القرآن ‏{‏فاعلموا أنَّ الله عزيز‏}‏ في نقمته لا تعجزونه ولا يُعجزه شيءٌ ‏{‏حكيم‏}‏ فيما شرع لكم من دينه‏.‏

‏{‏هل ينظرون‏}‏ أَيْ‏:‏ هل ينتظرون‏.‏ يعني‏:‏ التَّاركين الدُّخول في الإِسلام، و‏"‏ هل ‏"‏ استفهامٌ معناه النَّفي، أيْ‏:‏ ما ينتظر هؤلاء في الآخرة ‏{‏إلاَّ أن يأتيهم‏}‏ عذاب ‏{‏اللَّهُ في ظلل من الغمام‏}‏ والظُّلَل جمع‏:‏ ظُلَّة، وهي كلُّ ما أظلَّك، والمعنى‏:‏ إنَّ العذاب يأتي فيها، ويكون أهول ‏{‏والملائكة‏}‏ أَيْ‏:‏ الملائكةُ الذين وُكِّلوا بتعذيبهم ‏{‏وقضي الأمر‏}‏ فُرغ لهم ممَّا يوعدون بأنْ قُدِّر ذلك عليهم ‏{‏وإلى الله تُرجع الأمور‏}‏ يعني‏:‏ في الجزاء من الثَّواب والعقاب‏.‏

‏{‏سل بني إسرائيل‏}‏ سؤال توبيخ وتبكيتٍ وتقريعٍ ‏[‏كما يُقال‏:‏ سله كم وعظته فلم يقبل‏]‏ ‏{‏كم آتيناهم من آية بينةً‏}‏ من فلق البحر، وإنجائهم من عدوِّهم، وإنزال المنِّ والسًّلوى، وغير ذلك ‏{‏ومَنْ يُبدِّل نعمة الله من بعد ما جاءته‏}‏ يعني‏:‏ ما أنعم الله به عليهم من العلم بشأن محمِّدٍ عليه السَّلام، فبدَّلوه وغيَّروه‏.‏

‏{‏زين للذين كفروا‏}‏ أَيْ‏:‏ رؤساء اليهود ‏{‏الحياة الدُّنيا‏}‏ فهي هِمَّتهم وطِلبتهم، فهم لا يريدون غيرها ‏{‏ويسخرون من الذين آمنوا‏}‏ أَيْ‏:‏ فقراء المهاجرين ‏{‏والذين اتقوا‏}‏ الشِّرك وهم هؤلاء الفقراء ‏{‏فوقهم يوم القيامة‏}‏ لأنَّهم في الجنَّة، وهي عاليةٌ، والكافرين في النَّار، وهي هاويةٌ ‏{‏والله يرزق مَنْ يشاء بغير حساب‏}‏ يريد‏:‏ إِنَّ أموال قريظة والنَّضير تصيرُ إليهم بلا حسابٍ ولا قتالٍ، بل بأسهل شيءٍ وأيسره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏213- 215‏]‏

‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏213‏)‏ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ‏(‏214‏)‏ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ‏(‏215‏)‏‏}‏

‏{‏كان الناس‏}‏ على عهد إبراهيم عليه السَّلام ‏{‏أمة واحدة‏}‏ كفاراً كلَّهم ‏{‏فبعث الله النبيين‏}‏ إبراهيم وغيره ‏{‏وأنزل معهم الكتاب‏}‏ والكتابُ اسم الجنس ‏{‏بالحق‏}‏ بالعدل والصِّدق ‏{‏ليحكم بين الناس‏}‏ أَيْ‏:‏ الكتابُ ‏{‏فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً‏}‏ أَيْ‏:‏ وما اختلفَ في أمر محمَّدٍ بعد وضوح الدّلالات لهم بغياً وحسداً إلاَّ اليهودُ الذين أوتوا الكتاب؛ لأنَّ المشركين- وإن اختلفوا في أمر محمَّد عليه السَّلام- فإنَّهم لم يفعلوا ذلك للبغي، والحسد، ولم تأتهم البيِّنات في شأن محمَّد عليه السَّلام، كما أتت اليهود، فاليهود مخصوصون من هذا الوجه ‏{‏فهدى الله الذين آمنوا‏}‏ ‏{‏ل‏}‏ معرفة ‏{‏ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه‏}‏ بعلمه وإرادته فيهم‏.‏

‏{‏أم حسبتم أن تدخلوا الجنة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ نزلت في فقراء المهاجرين حين اشتدَّ الضُّرُّ عليهم؛ لأنَّهم خرجوا بلا مالٍ، فقال الله لهم ‏[‏أَيْ لهؤلاء المهاجرين‏]‏‏:‏ أم حسبتم أن تدخلوا الجنَّة من غير بلاءٍ ولا مكروهٍ ‏{‏ولما يأتكم‏}‏ أَيْ‏:‏ ولم يأتكم ‏{‏مثل الذين خلوا‏}‏ أَيْ‏:‏ مثل محنة الذين مضوا ‏{‏من قبلكم‏}‏ أَيْ‏:‏ ولم يُصبكم مثل الذي أصابهم، فتصبروا كما صبروا ‏{‏مَسَّتْهُم البأساء‏}‏ الشدَّة ‏{‏والضرَّاء‏}‏ المرض والجوع ‏{‏وزلزلوا‏}‏ أَيْ‏:‏ حُرِّكوا بأنواع البلاء ‏{‏حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله‏}‏ أَيْ‏:‏ حين استبطؤوا النَّصر، فقال الله‏:‏ ‏{‏ألا إنَّ نصر الله قريب‏}‏ أَيْ‏:‏ أنا ناصر أوليائي لا محالة‏.‏

‏{‏يسألونك ماذا ينفقون‏}‏ نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخاً كبيراً وعنده مالٌ عظيمٌ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ماذا ننفق من أموالنا‏؟‏ وأين نضعُها‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏.‏ قال كثيرٌ من المفسرين‏:‏ هذا كان قبل فرض الزكاة، فلمَّا فُرضت الزَّكاة نسخت الزَّكاة هذه الآية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏216- 219‏]‏

‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏216‏)‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏217‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏218‏)‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ‏(‏219‏)‏‏}‏

‏{‏كتب عليكم القتال‏}‏ فُرض وأوجب عليكم الجهاد ‏{‏وهو كرهٌ لكم‏}‏ أَيْ‏:‏ مشقَّةٌ عليكم لما يدخل منه على النَّفس والمال ‏{‏وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم‏}‏ لأنَّ في الغزو إحدى الحسنيين؛ إمَّا الظفر والغنيمة؛ وإمَّا الشَّهادة والجنَّة ‏{‏وعسى أن تحبُّوا شيئاً‏}‏ أَيْ‏:‏ القعود عن الغزو ‏{‏وهو شرٌّ لكم‏}‏ لما فيه من الذُّل والفقر، وحرمان الغنيمة والأجر ‏{‏والله يعلم‏}‏ ما فيه مصالحكم، فبادروا إلى ما يأمركم به وإنْ شقَّ عليكم‏.‏

‏{‏يسألونك عن الشهر الحرام‏}‏ نزلت في سريةٍ بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا المشركين وقد أهلَّ هلال رجب وهم لا يعلمون ذلك، فاستعظم المشركون سفك الدِّماء في رجب، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك‏}‏ يعني‏:‏ المشركين‏.‏ وقيل‏:‏ هم المسلمون ‏{‏عن الشهر الحرام قتالٍ فيه‏}‏ أَيْ‏:‏ وعن قتالٍ فيه ‏{‏قل قتالٌ فيه كبير‏}‏ ثمَّ ابتدأ فقال‏:‏ ‏{‏وصد‏}‏ ومنعٌ ‏{‏عن سبيل الله‏}‏ أَيْ‏:‏ طاعته‏.‏ يعني‏:‏ صدَّ المشركين رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت الحرام عام الحديبية ‏{‏وكفر به‏}‏ بالله ‏{‏والمسجد الحرام‏}‏ أَيْ‏:‏ وصدٌّ عن المسجد الحرام ‏{‏وإخراج أهله‏}‏ أَيْ‏:‏ أهل المسجد‏.‏ يعني‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين أُخرجوا من مكَّة ‏{‏منه أكبرُ‏}‏ وأعظم وِزْراً ‏{‏عند الله والفتنة‏}‏ أَيْ‏:‏ والشِّرك ‏{‏أكبر من القتل‏}‏ يعني‏:‏ قتل السِّرية المشركين في رجب ‏{‏ولا يزالون‏}‏ يعني‏:‏ المشركين ‏{‏يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم‏}‏ إلى الكفر ‏{‏إن استطاعوا ومن يَرْتَدِدْ منكم عن دينه‏}‏ الإِسلام، أَيْ‏:‏ يرجع فيموت على الكفر ‏{‏فأولئك حبطت أعمالهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ‏[‏بطلت أعمالهم‏]‏‏.‏ فقال هؤلاء السَّرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أصبنا القوم في رجب، أنرجو أن يكون لنا أجر المجاهدين في سبيل الله‏؟‏ فأنزل الله تعالى‏:‏

‏{‏إنَّ الذين آمنوا والذين هاجروا‏}‏ فارقوا عشائرهم وأوطانهم ‏{‏وجاهدوا‏}‏ المشركين ‏{‏في سبيل الله‏}‏ في نصرة دين الله ‏{‏أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم‏}‏ غفر لهؤلاء السِّرية ما لم يعلموا ورحمهم، والإِجماعُ اليوم منعقدٌ على أنَّ قتال المشركين يجوز في جميع الأشهر حلالها وحرامها‏.‏

‏{‏يسألونك عن الخمر والميسر‏}‏ نزلت في عُمَر، ومعاذٍ، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ أفتنا في الخمر والميسر؛ فإنَّهما مَذْهَبةٌ للعقل، مَسْلَبةٌ للمال، فنزلت قوله عزَّ وجلَّ ‏{‏يسألونك عن الخمر‏}‏ وهو كلُّ مسكرٍ مخالطٍ للعقل مُغطٍّ عليه ‏{‏والميسر‏}‏‏:‏ القمار ‏{‏قل فيهما إثم كبير‏}‏ يعني‏:‏ الإِثم بسببهما لما فيهما من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزُّور وغير ذلك ‏{‏ومنافع للناس‏}‏ ما كانوا يصيبونه من المال في بيع الخمر والتِّجارة فيها، واللَّذَّة عند شربها، ومنفعةُ الميسر ما يُصاب من القمار، ويرتفق به الفقراء، ثمَّ بيَّن أنَّ ما يحصل بسببهما من الإِثم أكبر من نفعهما، فقال ‏{‏وإثمهما أكبر من نفعهما‏}‏، وليست هذه الآيةُ المُحرِّمةَ للخمر والميسر، إنَّما المُحرِّمةُ التي في سورة المائدة، وهذه الآية نزلت قبل تحريمها‏.‏

‏{‏ويسألونك ماذا ينفقون‏}‏ نزلت في سؤال عمرو بن الجموح لمَّا نزل قوله‏:‏ ‏{‏فللوالدين والأقربين‏}‏ في سؤاله أعاد السّؤال، وسأل عن مقدار ما ينفق‏؟‏ فنزل قوله‏:‏ ‏{‏قل العفو‏}‏ أَيْ‏:‏ ما فضل من المال عن العيال، وكان الرَّجل بعد نزول هذه الآية يأخذ من كسبه ما يكفيه، وينفق باقيه إلى أن فُرضت الزَّكاة، فنسخت آية الزَّكاة التي في براءة هذه الآية وكلَّ صدقةٍ أُمروا بها قبل الزَّكاة ‏{‏كذلك‏}‏ أَيْ‏:‏ كبيانه في الخمر والميسر، أو في الإِنفاق ‏{‏يبين الله لكم الآيات‏}‏ لتتفكَّروا في أمر الدُّنيا والآخرة، فتعرفوا فضل الآخرة على الدُّنيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏220- 221‏]‏

‏{‏فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏220‏)‏ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ‏(‏221‏)‏‏}‏

‏{‏ويسألونك عن اليتامى‏}‏ كانت العرب في الجاهليَّة يُشدِّدون في أمر اليتيم ولا يُؤاكلونه، وكانوا يتشاءمون بملابسة أموالهم، فلمَّا جاء الإِسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك‏؟‏ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏قل إصلاح لهم خير‏}‏ يعني‏:‏ الإِصلاح لأموالهم من غير أجرةٍ خيرٌ وأعظم أجراً ‏{‏وإن تخالطوهم‏}‏ تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم فتصيبوا من أموالهم عوضاً عن قيامكم بأمورهم ‏{‏فإخوانكم‏}‏ أَيْ‏:‏ فهم إخوانكم، والإِخوانُ يُعين بعضهم بعضاً، ويُصيب بعضهم من مال بعضٍ، ‏{‏والله يعلم المفسد‏}‏ لأموالهم ‏{‏من المصلح‏}‏ لها، فاتقَّوا الله في مال اليتيم، ولا تجعلوا مخالطتكم إيَّاهم ذريعةً إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقٍّ ‏{‏ولو شاء الله لأعنتكم‏}‏ لضيَّق عليكم وآثمكم في مخالطتكم‏.‏ ومعناه‏:‏ التَّذكير بالنِّعمة في التَّوسعة ‏{‏إنَّ الله عزيزٌ‏}‏ في ملكه ‏{‏حكيم‏}‏ فيما أمر به‏.‏

‏{‏ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ‏}‏ نزلت في أبي مرثد الغنويِّ، كانت له خليلةٌ مشركةٌ، فلمَّا أسلم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيحلُّ له أن يتزوَّج بها‏؟‏ فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمشركات ها هنا عامَّة في كلِّ مَنْ كفرت بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ حرَّم الله تعالى بهذه الآية نكاحهنَّ، ثمَّ استثنى الحرائر الكتابيات بالآية التي في المائدة، فبقي نكاح الأَمَة الكتابية على التَّحريم ‏{‏ولأَمةٌ مؤمنةٌ‏}‏ نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أَمَةٌ مؤمنةٌ فأعتقها وتزوَّجها، فطعن عليه ناسٌ، وعرضوا عليه حُرَّةً مشركةً، فنزلت هذه الآية، وقوله‏:‏ ‏{‏ولو أعجبتكم‏}‏ المشركة بمالها وجمالها ‏{‏ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا‏}‏ لا يجوز تزويج المسلمة من المشرك بحالٍ ‏{‏أولئك‏}‏ أَي‏:‏ المشركون ‏{‏يدعون إلى النَّار‏}‏ أَي‏:‏ الأعمال الموجبة للنَّار ‏{‏والله يدعو إلى الجنة والمغفرة‏}‏ أَيْ‏:‏ العمل الموجب للجنَّة والمغفرة ‏{‏بإذنه‏}‏ بأمره‏.‏ يعني‏:‏ إنَّه بأوامره يدعوكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏222- 227‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ‏(‏222‏)‏ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏223‏)‏ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏224‏)‏ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏225‏)‏ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏226‏)‏ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏227‏)‏‏}‏

‏{‏ويسألونك عن المحيض‏}‏ ‏[‏ذكر المفسرون أنَّ العرب كانت إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها، ولم يَسَّاكَنُوا معها في بيت، كفعل المجوس‏]‏ فسأل أبو الدَّحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، كيف نصنع بالنِّساء إذا حضن‏؟‏ فنزلت هذه الآية، والمحيض‏:‏ الحيض ‏{‏قل هو أذىً‏}‏ أَيْ‏:‏ قذرٌ ودمٌ ‏{‏فاعتزلوا النساء في المحيض‏}‏ أَيْ‏:‏ مجامعتهنَّ إذا حضن ‏{‏ولا تقربوهنَّ‏}‏ أَيْ‏:‏ ولا تجامعوهنَّ ‏{‏حتى يَطَّهَّرْنَ‏}‏ أي‏:‏ يغتسلن، ومَنْ قرأ‏:‏ ‏{‏يَطْهُرْنَ‏}‏ بالتَّخفيف، أَيْ‏:‏ ينقطع عنهنَّ الدَّم، أَيْ‏:‏ توجد الطَّهارة وهي الغسل ‏{‏فإذا تطهَّرن‏}‏ اغتسلن ‏{‏فأتوهنَّ‏}‏ أَيْ‏:‏ جامعوهنَّ ‏{‏من حيث أمركم الله‏}‏ بتجنُّبه في الحيض- وهو الفرج- ‏{‏إنَّ الله يحب التوابين‏}‏ من الذُّنوب و‏{‏المتطهرين‏}‏ بالماء من الأحداث والجنابات‏.‏

‏{‏نساؤكم حرثٌ لكم‏}‏ أَيْ‏:‏ مزرعٌ ومنبتٌ للولد ‏{‏فأتوا حرثكم أنى شئتم‏}‏ أَيْ‏:‏ كيف شئتم ومن أين شئتم بعد أن يكون في صِمام واحدٍ، فنزلت هذه الآية تكذيباً لليهود، وذلك أنَّ المسلمين قالوا‏:‏ إِنَّا نأتي النِّساء باركاتٍ وقائماتٍ ومستلقياتٍ، ومن بين أيديهنَّ، ومن خلفهنَّ بعد أن يكون المأتي واحداً، فقالت اليهود‏:‏ ما أنتم إلاَّ أمثال البهائم، لكنَّا نأتيهنَّ على هيئةٍ واحدةٍ، وإنَّا لنجد في التَّوراة أنَّ كلَّ إِتيانٍ يؤتى النِّساء غير الاستلقاء دنسٌ عند الله، فأكذب الله تعالى اليهود ‏{‏وقدموا لأنفسكم‏}‏ أَي‏:‏ العمل لله بما يحبُّ ويرضى ‏{‏واتقوا الله‏}‏ فيما حدَّ لكم من الجماع وأمرِ الحائض ‏{‏واعلموا أنكم ملاقوه‏}‏ أَيْ‏:‏ راجعون إليه ‏{‏وبشر المؤمنين‏}‏ الذين خافوه وحذروا معصيته‏.‏

‏{‏ولا تجعلوا الله عرضةٌ لأيمانكم‏}‏ أَيْ‏:‏ لا تجعلوا اليمين بالله سبحانه علَّةً مانعةً من البرِّ والتَّقوى من حيث تتعمَّدون اليمين لتعتلُّوا بها‏.‏ نزلت في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يُكلِّم ختنه، ولا يدخل بينه وبين خصم له، جعل يقول‏:‏ قد حلفتُ أَنْ لا أفعل فلا يحلُّ لي، وقوله‏:‏ ‏{‏أن تبروا‏}‏ أَي‏:‏ في أَنْ لا تبرُّوا، أو لدفع أن تبرُّوا، ويجوز أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏أن تبروا‏}‏ ابتداءً، وخبره محذوف على تقدير‏:‏ أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين النَّاس أولى، أَي‏:‏ البرُّ والتُّقى أولى‏.‏ ‏{‏والله سيمعٌ عليمٌ‏}‏ يسمع أيمانكم، ويعلم ما تقصدون بها‏.‏

‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ أَيْ‏:‏ ما يسبق به اللِّسان من غير عقدٍ ولا قصدٍ، ويكون كالصِّلة للكلام، وهو مِثلُ قول القائل‏:‏ لا والله، وبلى واللَّهِ‏.‏ وقيل‏:‏ لغو اليمين‏:‏ اليمينُ المكفَّرة، سمِّيت لغواً لأنَّ الكفَّارة تُسقط الإِثم منه ‏{‏ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم‏}‏ أَيْ‏:‏ عزمتم وقصدتم، وعلى القول الثاني في لغو اليمين معناه‏:‏ ولكن يؤاخذكم بعزمكم على ألا تبرُّوا وتعتلُّوا في ذلك بأيمانكم بأنَّكم حلفتم ‏{‏والله غفورٌ حليم‏}‏ يؤخِّر العقوبة عن الكفَّار والعُصاة‏.‏

‏{‏للذين يؤلون من نسائهم‏}‏ أَيْ‏:‏ يحلفون أن لا يطؤوهنَّ ‏{‏تربص أربعة أشهر‏}‏ جعل الله تعالى الأجل في ذلك أربعة أشهر، فإذا مضت هذه المدَّة فإمَّا أن يُطلِّق أو يطأ، فإن أباهما جميعاً طلَّق عليه الحاكم ‏{‏فإن فاؤوا‏}‏ رجعوا عمَّا حلفوا عليه، أَيْ‏:‏ بالجماع ‏{‏فإنَّ الله غفورٌ رحيم‏}‏ يغفر له ما قد فعل، ‏[‏ولزمته كفَّارة اليمين‏]‏‏.‏

‏{‏وإن عزموا الطلاق‏}‏ أَيْ‏:‏ طلَّقوا ولم يفيؤوا بالوطء ‏{‏فإنَّ الله سميع‏}‏ لما يقوله ‏{‏عليمٌ‏}‏ بما يفعله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏228- 230‏]‏

‏{‏وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏228‏)‏ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏229‏)‏ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏230‏)‏‏}‏

‏{‏والمطلقات‏}‏ أَيْ‏:‏ المُخلَّيات من حبال الأزواج‏.‏ يعني‏:‏ البالغات المدخول بهنَّ غير الحوامل؛ لأنَّ في الآية بيان عدتهنَّ ‏{‏يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏}‏ أَيْ‏:‏ ثلاثة أطهار، يعني‏:‏ ينتظرن انقضاء مدة ثلاثة أطهارٍ حتى تمرَّ عليهن ثلاثة أطهارٍ، وقيل‏:‏ ثلاث حيضٍ‏.‏ ‏{‏ولا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ‏}‏ يعني‏:‏ الولد؛ ليبطلن حقَّ الزوج من الرَّجعة ‏{‏إن كنَّ يؤمنَّ بالله واليوم الآخر‏}‏ وهذا تغليظٌ عليهنَّ في إِظهار ذلك ‏{‏وبعولتهن‏}‏ أَيْ‏:‏ أزواجهنَّ ‏{‏أحقُّ بردهنَّ‏}‏ بمراجعتهنَّ ‏{‏في ذلك‏}‏ في الأجل الذي أُمرْنَ أن يتربصن فيه ‏{‏إن أرادوا إصلاحاً‏}‏ لا إضراراً ‏{‏ولهنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف‏}‏ أَيْ‏:‏ للنِّساء على الرَّجال مثلُ الذي للرِّجال عليهنَّ من الحقِّ بالمعروف، أَيْ‏:‏ بما أمر الله من حقِّ الرَّجل على المرأة ‏{‏وللرجال عليهن درجة‏}‏ يعني‏:‏ بما ساقوا من المهر، وأنفقوا من المال ‏{‏والله عزيز حكيم‏}‏ يأمر كما أراد ويمتحن كما أحبَّ‏.‏

‏{‏الطلاق مرتان‏}‏ كان طلاقُ الجاهلية غير محصورٍ بعددٍ، فحصر الله الطلاق بثلاثٍ، فذكر في هذه الآية طلقتين، وذكر الثَّالثة في الآية الأخرى، وهي قوله‏:‏ ‏{‏فإن طلقها فلا تحلُّ له من بعد‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وقيل‏:‏ المعنى في الآية‏:‏ الطَّلاق الذي يُملك فيه الرَّجعة مرَّتان‏.‏

‏{‏فإمساك بمعروف‏}‏ يعني‏:‏ إذا راجعها بعد الطَّلقتين فعليه إمساكٌ بما أمر الله تعالى ‏{‏أو تسريحٌ بإحسان‏}‏ وهو أَنْ يتركها حتى تَبِينَ بانقضاء العِدَّة، ولا يراجعها ضراراً ‏{‏ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً‏}‏ لا يجوز للزَّوج أن يأخذ من امرأته شيئاً ممَّا أعطاها من المهر ليطلِّقها إلاَّ في الخُلع، وهو قوله‏:‏ ‏{‏إلاَّ أن يخافا‏}‏ أيْ‏:‏ يعلما ‏{‏ألا يُقيما حدود الله‏}‏ والمعنى‏:‏ إنَّ المرأة إذا خافت أن تعصي الله في أمر زوجها بُغضاً له، وخاف الزَّوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها حلَّ له أن يأخذ الفدية منها إذا دعت إلى ذلك ‏{‏فإنْ خفتم‏}‏ أيُّها الولاة والحكَّام ‏{‏ألا يقيما حدود الله‏}‏ يعني‏:‏ الزَّوجين ‏{‏فلا جناح عليهما فيما افتدت به‏}‏ المرأة، لا جُناح عليها فيما أعطته، ولا على الرَّجل فيام أخذ ‏{‏تلك حدود الله‏}‏ يعني‏:‏ ما حدَّه من شرائع الدِّين‏.‏

‏{‏فإن طلقها‏}‏ يعني‏:‏ الزوج المُطلِّق اثنتين ‏{‏فلا تحلُّ له‏}‏ المطلَّقة ثلاثاً ‏{‏من بعد‏}‏ أَيْ‏:‏ من بعد التَّطليقة الثَّالثة ‏{‏حتى تنكح زوجاً غيره‏}‏ غير المُطلِّق ‏[‏ويجامعها‏]‏ ‏{‏فإن طلقها‏}‏ أَيْ‏:‏ الزَّوج الثَّاني ‏{‏فلا جناح عليهما أن يتراجعا‏}‏ بنكاحٍ جديدٍ ‏{‏إن ظنا‏}‏ أَيْ‏:‏ علما وأيقنا ‏{‏أن يقيما حدود الله‏}‏ ما بيَّن الله من حقِّ أحدهما على الآخر‏.‏